شنبه - ۱ اردیبهشت - ۱۴۰۳
السبت / 11 شوال / 1445
Sat - 20 Apr - 2024

ولد السيد الشهيد في مدينة (كدكن) التي تقع بين مدينة نيشابور ومدينة تربت حيدرية، والتي تبعد مائة كيلو متر عن مشهد الرضا(علیه السلام) في سنة (1355هـ . ق)، وشعر بلمسات الوجود في أسرة عرفت بالفضل والتقوى والعلم، كانت جذورها تنتمي إلى الإمام السجاد(علیه السلام) من طرف الأبوين، وكان جده الأعلى محمد المحروق من أحفاد زيد الشهيد (س) والذي له مقام في نيشابور، فلم يحظ برعاية الأب وحنانه إلاّ ستة أشهر، فقد توفي والده السيد حسن (رحمه الله) وهو في ريعانة شبابه، ولم يتجاوز خمسة وعشرين سنة من عمره، وكان يؤدي الخدمة العسكرية المفروضة على الشباب آنذاك في عصر رضاخان بهلوي، الذي كان ظالماً وقاسياً في سلوكه المعروف بالعصر الأسود؛ فقد تحمّل الشعب الإيراني المسلم والغيور مآسياً كثيرة منه، وهو الذي أمر بنزع الحجاب عن النساء المؤمنات

وقد ابتلى السيد حسن بالحمى ولم يهتم به القياديون في الجيش، حتى وافاه الأجل وهو في مدينة تربت جام بعيداً عن مسقط رأسه وعن أهله في ديار الغربة، ودفن هناك ولم يبلّغ أهله إلاّ بعد شهر واحد، ولم يعرف موضع قبره
كما أنّ السيد الشهيد (المؤلف) مع اثنين من أولاده لم يعرف موضع قبورهم، إلى يومنا هذا، فكتبت يد التقدير لهم ذلك؛ مواساة مع جدتهم الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء(علیه السلام)
وبعدما توفى والده قامت والدته برعايته وتربيته في جميع جوانب الحياة، تلك المرأة التي ما تركت صلاة الليل منذ شعرت بالتكليف الشرعي، وقد كانت من خدمة الإمام الحسين(علیه السلام)، ولها دور كبير في إقامة المجالس الحسينية عند النساء، وكانت دارها مأوى الفقراء والمساكين والمرضى، وكانت تبذل ما بيدها من الأموال والأرزاق لشيعة أهل البيت(علیهم السلام)، فعاش السيد الشهيد (رحمه الله) في أحضان هذه المرأة العظيمة، وقضى السنوات الأولى من حياته وهو يرى الفقراء والمحتاجين كل يوم في دار أمه الكريمة، ويطرق أسماعه ذكر أهل البيت (علیهم السلام) ومصائب جدّه أبا عبد الله الحسين(علیه السلام)، فتجسدت فيه منذ نعومة أظفاره روح الإيمان والجهاد والصبر والشجاعة والأنس بالفقراء، ومحبة أهل البيت.

الهجرة إلى الحوزة العلمية في المشهد المقدس
بعدما أكمل السيد الشهيد دراسته الأكاديمية في مدينة (كدكن) هاجر إلى مدينة مشهد المقدّسة، وهو في ريعانة شبابه في ربيع السادس عشر من حياته، فدخل الحوزة العلمية واستقر في مدرسة (خيرات خان) في جوار الإمام الرؤوف علي بن موسى الرضا(علیه السلام)؛ ليستلهم منه كل الفضائل والسجايا، ويستعين بها في مساره العلمي، وتحديد مستقبله وحسن عاقبته، ولعلّه كان ممّا طلبه من الإمام (علیه السلام) وهو في بداية الطريق أن يرزق الشهادة، فاستجاب الله دعوته في نهاية الطريق، والحمد لله ربّ العالمين.
لقد مارس الدرس في الحوزة العلمية بشوق وابتهاج، حتى فاق زملائه في السنة الثانية من دراسته، وبرز نبوغه الفكري وعبقريته، وتميز في حلقات الدرس على الآخرين، وسمعت من زملائه أنّه كان دائم الاشتغال وكثير المذاكرة، وعرفناه طالباً مثالياً في سلوكه وفي جميع تصرفاته، وما كان له حسد من الطلاب، بل كان حبّهم له يطغى على كل شيء، يتوددون ويتقربون منه، وذلك بسبب سلوكه العقلائي معهم، وإضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه، واحترامه لمن هو أكبر منه.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه النصوص بالإضافة إلى دلالتها على نبوغه الفكري وسموه العلمي، تدل أيضاً على سموه الخُلقي والروحي إلى درجة وهبت له المناعة النفسية أمام الغرور والكبرياء وغيرها من الأمراض النفسية، التي يتعرض لها أصحاب النبوغ الفكري والعلمي، فاستطاع الحفاظ علي أعلى مراتب التواضع والحياء ونكران الذات، وهذا ما شهد به كل من تتلمذ عنده، أو تعرّف عليه، وكانت هذه الصفات معه إلى آخر أيام حياته الشريفة؛ ولذلك حظى بعناية خاصة من عند أساتذته، فقد خطى خطوات المسيرة العلمية بسرعة متميزة على يد أساتذة بارزين في الحوزة العلمية، كآية الله الشيخ هاشم القزويني، وآية الله الشيخ حسين علي المرواريد، وكان ذلك في بداية العشرينات من عمره المبارك، حيث حضر الأبحاث العالية في الحوزة العلمية (البحث الخارج)، واستقطف فوائد علمية من بحوث الخارج لآية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني (قده) وغيره من الأعلام آنذاك.
الهجرة إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف
إنّ القدر الذي كان يستطيع الحصول عليه في الحوزة العلمية في مشهد ما كان يلبي طموحه العالي وتطلعه على الآفاق العلمية، والتي كان يأمل الوصول إليها، فعزم على الهجرة منها، وكانت الحوزة العلمية في النجف الأشرف آنذاك في صدر الحوزات العلمية في أرجاء العالم الإسلامي؛ لأنّها كانت تحتضن المرجعيات الشيعية العليا والمتفكرين، والمدارس العلمية التخصصية، والعباقرة في شتى العلوم الإسلامية، فكان يشد إليها الرحال، وكانت قلوب روّاد العلم وعشّاق أهل البيت(علیهم السلام) تدق على الوصول إليها، وتتمنى الحضور عندها، لتشرق بأنوارها وتزدهر بعلومها، ولذلك عزم السيد الشهيد (قده) على الهجرة إليها والمقام عند جدّه أمير المؤمنين (عليه آلاف التحية والثناء)؛ ليرتوي من مناهل تلك الحوزة العلمية، ويقتبس من نورها المضيء، وكان يقول عندما توفرت مقدمات السفر إلى النجف الأشرف، ما كنت أتوقع توفيرها بسرعة، فشكرت الله تعالى على هذه النعمة العظيمة التي منحها لي من دون جهد وقصد، لأني كنت في قم المقدّسة لاستشارة بعض العلماء وأصدقائي في استدامة مشواري العلمي، وكلهم اتفقوا على رحيلي إلى النجف الأشرف، وأنا أفكر في ذلك، وإذا بالمشيئة الإلهية تعلقت بذلك، وتوفرت مقدمات السفر حتى ما سنحت لي الفرصة أن أذهب إلى مسقط رأسي؛ لتوديع والدتي وأقربائي، فاكتفيت بالرسالة لتوديعهم، فكان هذا السفر ثميناً وغالياً عندي، وأتمنى أن لا أفارق جوار الإمام علي(علیه السلام)، وأدفن عنده (واستجاب الله تعالى دعائه مع الشهادة).
لقد وصل السيد الشهيد إلى النجف الأشرف، وهو في ربيع الخامس والعشرين من عمره، وسكن في مدرسة آية الله العظمى السيد البروجردي (أعلى الله مقامه)، التي كانت مخصصة لطلاب العلوم الدينية وبدأ مواصلة مسيرته العلمية، وحضر بحوث الخارج في الفقه والأصول، وتتلمذ عند جمع من الأعلام وأساطين العلم والمرجعية الدينية كآية الله العظمى السيد محمود الشاهرودي (قده)، وآية الله العظمى الإمام الخميني (قده)، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قده) وآية الله العظمى السيد علي السيستاني (دام ظله).
وبعد سنوات من تواجده في الأوساط العلمية وحضوره المكثف في مجال البحوث التخصيصية في الفقه والأصول، صاهر المرجع الديني الكبير السيد محمود الشاهرودي (قده)، وتزوج بسبطه، فاستقرت حياته العلمية أكثر وزاد أمله بالبقاء في جوار جدّه الإمام علي(علیه السلام) كما كان يتمناه.
حياته العلمية في النجف الأشرف
كانت حياته العلمية تنقسم إلى أدوار مختلفة:
الدور الأول: الحضور الدائم والمتواصل
المشار إليه بالبنان في البحوث العالية في مجال الفقه والأصول، والتحقيق في الأسس والأصول العلمية في العلوم الإسلامية، ومناقشة آراء، وتأسيس مبانيه الأصولية والفقهية والعقائدية والفلسفية.
الدور الثاني: تدريس الكتب العلمية على مستوى السطوح والبحث الخارج
فقد درّس سماحته الفقه والأصول والفلسفة والتفسير والكلام، وكان من أبرز أساتذة الدروس الحوزوية من الرسائل والمكاسب والكفاية والمنظومة للحكيم السبزواري والأسفار الأربعة، واشتهر صيته العلمي حتى أن بعض أساتذته كانوا يرشدون أبنائهم والطلبة بالحضور عنده، والاستفادة من بحر علومه، ومن بعد عشرين سنة من تدريس السطوح العالية، بدأ بتدريس البحث الخارج، وتخرج على يديه مئات الطلاب والفضلاء.
الدور الثالث: تأليف الكتب وتقرير البحوث
كانت من أمنياته أن يؤلف كتباً في خدمة الدين والمؤمنين، ليكون مصداقاً للحديث الشريف >إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: علم ينتفع به الناس، أو صدقة جارية، أو ولد صالح يدعو له فممّا خرجت من أنامله الشريفة بتوفيق من الله الكريم هذه المخطوطات:
1ـ رسالة في الرضاع على المذاهب الخمسة.
2ـ رسالة في الاجتهاد والتقليد.
3ـ رسالة في القضاء الإسلامي.
4ـ رسالة في صلاة المسافر.
5ـ رسالة في الخمس.
6ـ رسالة في الحسن والقبح العقلي.
7ـ بحوث في العقيدة الإسلامية.
8ـ تعليقة على كفاية الأصول.
9ـ تعليقة على المنظومة.
10ـ تعليقة على الأسفار الأربعة.
11ـ التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
12ـ تقريرات أصولية: دورة كاملة للسيد الخوئي (قده).
13ـ تقريرات أصولية دورة كاملة للسيد السيستاني (دام ظله).
14ـ تقريرات فقهية لدروس الآيات العظام، السيد الشاهرودي، والإمام الخميني، والسيد الخوئي، والسيد السيستاني.
الدور الرابع: تربية الطلاب والفضلاء
لقد اهتم اهتماماً بالغاً للغاية في تربية طلاب فضلاء محققين ومهذبين ومتخلقين بآداب إسلامية، وليس من المبالغة إنّه كان يتعامل مع طلبته معاملة الأب مع أبنائه، وهذا قد لمسه كل من درس عنده، فكانت الابتسامة دائمة على وجناته معهم، ولا يقصر في نصيحتهم، ولا يبخل في إرشادهم إلى ما يوجب تكاملهم وتقدّمهم في الدروس، فكان أستاذهم في العلوم، ومربيهم ومعلمهم الأخلاق بسيرته وإرشاداته، ودائماً كان يثني عليهم ويشوقهم في مجال الإبداع والتحقيق والتأليف والتبليغ وخدمة الناس، فما حضر عنده أحد إلاّ عشق أخلاقه وسيرته، وجعله قدوة في سلوكه، لذلك خرجت على يديه المباركتين عشرات من الفضلاء ورواد العلوم الإسلامية، والكل يبتهج لسانه بمدحه وثنائه، وبعد نبأ استشهاده بالترحم عليه، والتأسف على فقدانه وخسارته وأنّه كان مؤهلاً للمرجعية الشيعية لخدمة الإسلام والمسلمين والحوزات العلمية، وهذا ما نطق به كل من تتلمذ عنده وتعرف عليه.
سيرته الأخلاقية والعرفانية
كان يتميز السيد الشهيد بخلق سامية، وفضائل عالية، ورثها من آبائه المعصومين، واكتسبها من أحاديثهم الشريفة، فطلاقة الوجه ورحابة الصدر وحسن الخطاب، كانت مرتسمة في سلوكياته، كما أنّ روح المودة والعطف والرأفة والتواضع والإيثار ونكران الذات كانت من سجاياه، فكان معلم الأخلاق بسلوكه وكلماته، وكان يؤكد على الطلبة بأن يدرسوا في كل يوم حديثاً من الأحاديث الأخلاقية، حتى لا يموت القلب، ولا تغفل النفس عن تزكيتها، وكان كثير التواضع مع أساتذته، فكان دائماً يذكرهم بالخير ويثني عليهم، مع أنّه كان واصلاً إلى ذروة العلم والاجتهاد، وكذلك كان شديد التواضع مع تلامذته، خصوصاً في المناقشات العلمية إذ كان لا يخاطبهم بصيغة المفرد، وإنّما بصيغة الجمع، تكريماً لهم.
وهكذا كان يتعامل مع كافة طبقات المجتمع، لأنّه كان يقيم صلاة الجماعة في مسجد الإمام الحجة(علیه السلام) في منطقة خان المخضر في النجف الأشرف، الذي شيّد بنيانه، فكان دائماً في ميدان العمل الاجتماعي والاتصال بعامة الناس، يتعامل معهم كمعاملة الأب مع أبنائه، فخدم المؤمنين بخدمات كثيرة، فمن شدة حبّه للناس وتواضعه معهم، وطلاقة وجهه ورحابة صدره ونكرانه الذات وسائر فضائله الخلقية، التي كانت يتحلى بها، تعلقت قلوبهم به، فكانوا يعشقونه، وكان يحبّ الفقراء كثيراً، حتى أنّه عيّن لهم راتباً شهرياً لمساعدتهم؛ لأنّه تربى في بيت كان ملجئاً للفقراء، فعاش معهم منذ الطفولة ولم ترَ عينيه قط أنّ سائلاً طرق بابه ورجع خائباً، فكان يزور مريضهم، ويقضي حوائجهم؛ ولذلك لم يكن كثير السفر حتى لا يقصّر في خدمتهم، فكان يقول عندما أقدم خدمة للفقراء يأخذني شغف وابتهاج، وأشكر الله على توفيقي لخدمتهم، وأسأل الله القبول، وأن يكون ذلك ذخيرتي في يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
عبادته وتوسلاته
وقد كان (رحمه الله) كثير العبادة والابتهال إلى الله تبارك وتعالى، فما ترك صلاة الليل منذ شعر بالتكليف الشرعي، وكان يمزج جميع نشاطاته حتى العلمية منها بالعبادة والابتهال إلى الله عزّوجلَ، ولذلك قد خصص ساعة من كل يوم لزيارة جدّه أمير المؤمنين(علیه السلام)؛ ليستنير بأنواره ويستضيء بعلومه، وقد واظب على زيارته كذلك أكثر من عشرين سنة، وفي ليالي الجمعة والمناسبات الدينية الأخرى كان يسافر إلى كربلاء المقدّسة لزيارة جده الإمام الحسين(علیه السلام)، وقد شدّ الرحال إليها مشياً على الأقدام في المناسبات الدينية أكثر من عشرين مرّة، والمسافة بين النجف وكربلاء (مائة كيلو متر)، فكان يقول كلما أفكر في شأن أبي عبد الله(علیه السلام) لم أصل إلى كنه مقاماته وفضائله وحقيقة ما فعله(علیه السلام)، وأنّ الحسين(علیه السلام) معجزة إلهية، وهناك أسرار في شخصية الإمام لا نفهمها، وأنّ الله تعالى وهب له من القدرات والبركات ما تعجز العقول عن دركها، فإنّه(علیه السلام) رحمة الله على عباده، لذلك كان يقيم مأتم الإمام الحسين$ أسبوعياً في داره في ليالي الخميس، وكان يجلس عند الباب ويستقبل الناس، وأحياناً كان بنفسه يقوم بخدمة المشاركين في المجلس، مع أنّ كثيراً منهم كانوا من الناس المؤمنين، الذين كانوا يحضرون صلاة الجماعة في مسجده، ومن مختلف طبقات المجتمع، فكان يلقي عليهم محاضرات أخلاقية وتربوية وأحكامية في هذا المجلس الأسبوعي، وكان يعتقد أن حياة رجل الدين وقف لخدمة الناس والعلم، لذلك ما كانت له ساعة فراغ، فإمّا مشتغل بالبحوث العلمية، وإمّا كان في خدمة الناس وقضاء حوائجهم، ولأجل ذلك كانوا يلتجئون إليه في كل معضلة ومشكلة.
ومن سيرته كان تزهده عن زخارف الدنيا، فكانت حياته المادية بسيطة جداً، وكان يقول اللذة الحقيقية في الأمور الروحانية، وإذا شعر الإنسان ببعض اللذات المعنوية فسوف يترك اللذات الدنيوية، بل لا يشعر بلذة مادية أبداً فكان يثني كثيراً على العارف الكبير السيد علي القاضي (قده)، وكان ينقل عنه بعض الذكريات والحكايات، فنقل عنه أنّ السيد القاضي كان فقيراً من ناحية المادية، وكان أولاده كثيرين، فسُئل أن يسأل الله أن يفرّج عليه من ضيق المعيشة، فأجاب (رحمه الله عليه) إن حياتي الدنيوية هي حياتي البرزخية.
استشهاده
لقد اندلعت في سنة (1411هـ . ق) المصادف (1991م) في شهر شعبان انتفاضة شعبانية، عرفت بالانتفاضة الشعبانية المقدّسة في العراق، واتسع نطاقها ليشمل المدن الشيعية في هذا البلد الجريح، وكان على رأسها المرجعية الشيعية وكان في مقدمتهم سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قده) وعلماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وكان للسيد الشهيد دور متميز في إنجاحها لموقعه الاجتماعي والعلمي في وسط الحوزة العلمية والمجتمع الديني، ولامتلاكه صفات متميزة للقيادة، فحث الثوار والمؤمنين بالقيام ضد الطغاة وإسقاط الحكومة البعثية والدموية، وكان يعتقد أنّ القيام واجب شرعاً، فرفع السلاح بنفسه ودخل مع الثوار والمجاهدين في الصحن العلوي الشريف، وخطب فيهم وحثّهم على الجهاد والمقاومة ضد النظام البعثي الكافر، وإزالته عن الوجود، فإنّه كان واقفاً حياته في خدمة الدين والمؤمنين، وكانت من أمنياته إقامة دولة إسلامية على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران؛ ولذلك كان يمجد دائماً بالإمام الخميني (قده) والثورة الإسلامية، وكان يقول يجب أن نستلهم منها دروساً، ونجعل السيد الإمام قدوة لنا في الجهاد والقيام ضد الطغاة، وأنّ العراق لا يحكمها إلاّ رجال الدين والإسلام.
ولكن كتبت يد التقدير شيئاً آخر، وتدخلت القوى الاستكبارية الغربية والشرقية، وعلى رأسها الحكومة الأمريكية الاستعمارية، فساعدت الحكومة البعثية الشيوعية، التي كانت على وشك الزوال والانهيار التام، وأمرتها بقتل عامة الناس، صغيراً وكبيراً، رجالاً ونساءً، وعندها هتكت جميع الحرمات والمقدسات، فدخلت قوى الجيش العفلقي والصدامي المدن المقدّسة كالنجف الأشرف وكربلاء المقدسة، وقد أباح لهم صدام حسين كل المحرمات، ففعلوا ما يعجز اللسان عن بيانه من مجازر، بل تحيّرت العقول عن تصويرها، وقتلوا مئات من خيرة الشباب المجاهدين في داخل الحرم العلوي والحسيني، وتركوا أجسادهم الطاهرة ثلاثة أيام، ومن ثم دفنوهم من دون غسل وكفن، ومن دون حضور ذويهم، وراحت ضحية هذا الظلم الأسود ـ الذي لا يقارنه أي ظلم ـ عشرات الآلاف من المؤمنين، شيوخاً وشباباً وأطفالاً، وقدمت الحوزة العلمية المقدسة في النجف الأشرف عشرات من العلماء والمجتهدين والمفكرين الإسلاميين وطلاب العلوم الدينية للشهادة، حيث بلغ عددهم إلى مائة وثمانية شهيد، الذين كان فيهم جمع من الجامعين لشرائط المرجعية وقيادة الأمة الإسلامية، ومنهم السيد الشهيد (قده)، فأوجعت هذه الخسارة العظيمة قلوب جميع المحبّين لأهل البيت(علیه السلام) في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ومع الأسف الشديد كانت هذه المجزرة المفجعة أمام الشعوب الإسلامية وعلماء الإسلام والحكومات الإسلامية والعربية، بل البشرية، ولكنهم سكتوا عنها، ولم ينادِ أحداً بمظلوميتهم إلاّ في إيران الجمهورية الإسلامية وعلماء الحوزة العلمية في قم المقدسة، ولكنهم نالوا الشهادة والسعادة الأبدية، وسيبقى ذكرهم مخلداً في تاريخ العراق والحوزات العلمية، بل في تاريخ الإسلام الذي ملئت صفحاته بأنواع الظلم والقتل والنهب.
فقد اعتقل السيد الشهيد مع ولديه السيد محمد باقر والسيد محمد كاظم وصهره وأخي زوجته بيد جلاوزة النظام الكافر البعثي، ولم يعلم عنهم شيء إلاّ بعد سقوط النظام العفلقي الغاشم، فدمعت عيون كانت تسهر الليالي والأيام لرؤيتهم، وأفجعت قلوب كانت تأمل الوصول إليهم، وجاء نبأ استشهادهم بعد مضي اثنتي عشرة سنة من الانتظار، وعقد الآمال على نجاتهم.
(وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين) حشرهم الله تعالى مع محمد وآل محمد وأسكنهم في جناته مع أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام)